عالم الابداع

حياكم الله في منتدى عالم الابداع
ليصلكم كل ماهو جديد يرجا التسجيل فضلآ وليس امرآ تفعيل التسجيل فوري مجرد تأكيد الرسالة التي تصلك على ايميلك بمشاركاتكم نرتقي للافضل لتعم الفائدة على الجميع

شكرآ على هذه الزيارة

عالم الابداع.برامج.صور ديكور.اخبار.صحة.مقالات.المرأة والربح من الانترنت

المواضيع الأخيرة

» سباق التحدي الفورمولا 1
الأربعاء يونيو 08, 2016 4:08 am من طرف Almaysstro

» تحميل وتفعيل 2015 Corel Motion Studio 3D
الأربعاء يونيو 08, 2016 4:00 am من طرف Almaysstro

» برنامج4K Video Downloader
الأربعاء يونيو 08, 2016 3:57 am من طرف Almaysstro

» موقع RevenueHits للربح من الانترنت
الجمعة مايو 13, 2016 2:17 am من طرف Almaysstro

» زيت جوز الهند والثوم للتحكم بنوبات الصرع
الخميس نوفمبر 26, 2015 12:59 am من طرف Almaysstro

» أهمية الرياضة المنزلية لمرضى الضغط
الخميس نوفمبر 26, 2015 12:57 am من طرف Almaysstro

» شرح تحميل سينما فور دي نسخة محمولة
الخميس نوفمبر 26, 2015 12:53 am من طرف Almaysstro

» شرح تحميل سينما فور ديCinema 4D نسخة محمولة
الخميس نوفمبر 26, 2015 12:47 am من طرف Almaysstro

» تحميل وتفعيل ادوبي بريمر برو 6
الخميس نوفمبر 26, 2015 12:38 am من طرف Almaysstro

سحابة الكلمات الدلالية


عابر سرير...أحلام مستغانمي

شاطر
avatar
Almaysstro
Admin

عدد المساهمات : 235
نقاط : 13570
السٌّمعَة : 16
تاريخ التسجيل : 10/06/2014

عابر سرير...أحلام مستغانمي

مُساهمة من طرف Almaysstro في الثلاثاء يونيو 24, 2014 10:11 pm

الفصل الخامس


اشتريت باقة ورد وقصدته.
تحاشيت اللون الأبيض. إنه لا يليق برسام كرس حياته لإلغاء هذا اللون. تفاديت أيضاً أناقة تجعلني أبدو أقل لياقة في حضرة مرضه, وتوقظ غيرة عاشق أدركه الحب في سن الشك.
ولم أنس أن أحضر له معي بعض مقالاتي. حتى يصدق ذريعتي لزيارته, خاصة أن توقيعها يحمل اسم خالد بن طوبال.
بدون أن تكون غرفته تحمل الرقم 8 , كان فيها شيء يذكرك بآخر ديوان لأمل دنقل, فكل غرف المرضى رقم في مملكة البياض.
" كان نقاب الأطباء أبيض/ لون المعاطف أبيض/ تاج الحكيمات أبيض/ أردية الراهبات/ الملاءات/ لون الأسرة/ أربطة الشاش والقطن/ قرص المنوم/ أنبوبة المصل/ كوب اللبن".

كان في ضيافة البياض. لكن بابتسامة سمراء وطلة مضيئة كألوان قزح بعد ظهيرة توقف فيها المطر.
نهض يسلم علي بحفاوة, واضعاً شيئاً من الألوان بيننا.
- أهلاً خالد... تفضل.
لم أعرف بأي اسم ولا بأية صيغة أناديه كي أرد سلامه. فاكتفيت باحتضانه مردداً:
- أهلاً.. حمد الله ع سلامتك.
متسائلاً ماذا تكون فرانسواز قالت له ليستقبلني بهذه الحرارة.
جلس قبالتي. ها هو إذن.
كان يرتدي هم العمر بأناقة.
كان وسيماً, تلك الوسامة القسنطينية المهربة منذ قرون في جينات الأندلسيين, بحاجبين سميكين بعض الشيء, وشعر على رماديته ما زال يطغى عليه السواد, وابتسامة أدركت بعدها أن نصفها تهكم صامت, ترك آثاره على غمازة كأخدود نحتها الزمن على الجانب الأيمن من فمه.
وكانت له عينان طاعنتان في الإغراء, ونظرة منهكة, لرجل أحبته النساء, لفرط ازدرائه للحياة.
كم عمره؟ لا يهم. مسرع به الخريف, وينتظره صقيع الشتاء. إنه منتصف اليأس الجميل. منتصف الموت الأول, وهو لهذا يبتسم. يبدو في أوج جاذبيته, جاذبية من يعرف الكثير لأنه خسر الكثير. وهذا سأفهمه لاحقاً.

على الكرسي المقابل لسريره العالي صغرت, وتعلمت الجلوس خلف المنضدة المنخفضة للسؤال.
كيف تطرق ذاكرة ذلك الرجل طرقاً خفيفاً؟ كيف تأخذ منه أجوبة عن أسئلة لن تطرحها, ولكنك جئت بذريعتها؟
كيف تفتح نافذة الكلام في غرفة مريض, بدون أن تبدو غبياً, أو أنانياً, أو انتهازياً تسابق الموت على سرقة أسراره.
قلت كمن يعتذر:
- تمنيت هذا الموعد كثيراً. آسف أن يتم لقاؤنا في المستشفى. إن شاء الله صحتك في تحسن.
رد مازحاً:
- لا تهتم..بي صبر مستعصٍ على الشفاء.
قلت:
- بدءاً.. أنا أحب أعمالك الفنية ولي تواطؤ مع كثير من لوحاتك, ثم عندما فوجئت بوجودك في باريس طلبت من فرانسواز أن تجمعني بك. فأنا بمناسبة مرور ذكرى ثورة نوفمبر أعد مجموعة حوارات مطولة مع شخصيات جزائرية ساهمت في حرب التحرير.. لي إحساس أنني سأنجز معك حواراً جميلاً.
قال مبتسماً:
- أعتقد ذلك أيضاً. فنحن حسب ما بلغني , لنا الاهتمامات ذاتها, ونشترك في حب الكثير من الأشياء.
لم أكن أعرف عنه لحظتها ما يكفي لأدرك أنه اكتسب منذ زمن حدس الحقيقة, وتدرب على فن التغابي الذكي, وأن " الأشياء" هنا, ربما كان يعني بها .. النساء.
قلت وأنا أستأذنه فتح المسجل كي أعطي رسمية للقاء:
- تعنيني ذاكرتك كثيراً.. فأنت خضت حرب التحرير وعايشت معارك وبطولات تلك الفترة.. ماذا بقي لك من ذكرى رجالات وأبطال تلك الحقبة؟
رد مازحاً:
- أنت تلاحق ذاكرة مضللة. لا وجود إلا للبطولات الصغيرة. البطولات الكبيرة أساطير نختلقها لا حقاً.
أكبر المعارك تخوضها ببسالة الضمير.. لا بسلاحك ولا بعضلاتك, وتلك المعارك هي التي يستبسل فيها الناس البسطاء النكرة الذين يصنعون أسطورة النصر الكبير, والذين لن يأتي على ذكرهم أحد.. ولن يسألهم صحافي على سرير المرض عن ماضيهم.

فاجأني المنطلق العكسي الذي بدأ به حوارنا. حاولت مسايرة وجهته:
- لكنك توافق من يقول إن الثورات يخطط لها الدهاة, وينفذها الأبطال ويجني ثمارها الجبناء؟
ابتسم وأصلح من جلسته وكأن الحوار أصبح فجأة يعنيه, ثم رد بعد شيء من الصمت:
- إن كان لي أن أختصر تجربتي في هذه الثورة التي عايشت جميع مراحلها, فبتصحيح هذه المقولة القابلة للمراجعة في كل عمر. اليوم بالنسبة لي, الثورة تخطط له الأقدار وينفذها الأغبياء ويجني ثمارها السراق. دائماً, عبر التاريخ, حدثت الأشياء هكذا. لا عدالة في ثورات تتسلى الأقدار بقسمة أنصبتها, في الموت والغنيمة, بين مجاهدي الساعة الأخيرة, وشهداء ربع الساعة الأخيرة. أتدري عبثية منظر الشهيد الأخير, في المعركة الأخيرة, عندما يتعانق الطرفان في حضرته؟ فوق جثة آخر شهيد تبرم أول صفقة.
بقيت ملازماً صمتي. كانت أسئلته أجوبة مغلقة لا إضافة لك عليها, لكنني كنت أبحث عن مدخل يوصلني إليه, عساني أعرف إن كان له ماض يطابق ماضي خالد في تلك الرواية. سلكت إليه طريقاً متعرجاً:
- وأنت.. كيف عشت تلك البدايات.. أي ماض كان ماضيك؟
أجاب ساخراً, كمحارب عجوز بدأ يستخف بانتصاراته:
- إجلالاً للأحلام القديمة غير المحققة, أحب التحدث عن الماضي بصيغة الجمع.. في ماضي المغفلين الذي كان عيباً فيه أن تقول " أنا" نسيت أن أكون أنا. أما اليوم, فبجسارة اللصوص, من الطبيعي أن يتحدث أي زعيم عصابة عن نفسه بصيغة الجمع!
قال جملته الأخيرة وهو يضحك.
كان له جمالية الحزن الهادئ. الحزن الذي أكسبه بلاغة الصمت, وفصاحة التهكم, بحيث كان إن ضحك أدركت أنه يدعوك إلى مشاركته البكاء.
قلت لأعيده إلى الحديث عن نفسه:
- لكن اسمك كأحد كبار رسامي الجزائر يعطيك حق أن تكون فرداً ومتفرداً.
أجاب بنبرة ساخرة:
- ذاك الحق لا تكتسبه بموهبتك وإنما بحكم الشيخوخة والمرض.. عندما تبلغ هذا السرير الأخير, تعود كما كنت بدءاً: وحيداً وأعزل. تصبح من جديد "أنا" لأن الجميع انفضوا من حولك.
عليك أن تتدرب على الكلام بالمفرد, والتفكير بالمفرد, أنت الذي قضيت عمراً تتحدث بصيغة الجمع, لا لأهميتك ولا لأهمية كرسي تجلس عليه, ولكن , لأن " الأنا" لم تكن موجودة على أيام جيلك. كان جيل الأحلام الجماعية, والموت من أجل هدف واحد.
لم تكن تنقصنا أحياناً الأنانية, ولا الوصولية, ولا الخيانة, ولا حتى جريمة قتل الرفاق. كانت تنقصنا السخرية. وكانت تلك فجيعة حياة نضالية محكوم عليها بالانضباط والجدية, مما جعل الذكاء والحلم على أيامنا ضرباً من التمرد. منذ زمن وأنا أعاني من نقص في كريات الضحك.. ولذا أوصلني القهر إلى هنا!
لم أعرف كيف أواصل الحديث إليه. قلت معلقاً:
- إنها الحياة.. كل يواجهها بما استطاع.
قال:
- تقصد.. كل يتخلى عن قناعاته حيث استطاع. تركب القطار البخاري للرفض, وترى رفاقك خلسة يترجلون الواحد بعد الآخر, وتدري أنك مسافر فيه عمراً واقفاً , وأنك آخر من ينزل. ولكن ماذا بإمكانك أن تفعل إن كنت لم تولد على أيام القطارات السريعة!
كان الحوار يمضي بنا إلى حيث يوصلنا كلامه, فسألته:
- والغربة.. أية محطة تمثل في رحلتك؟
قال:
- الغربة ليست محطة.. إنها قاطرة أركبها حتى الوصول الأخير, قصاص الغربة, يكمن في كونها تنقص منك ما جئت تأخذ منها. بلد كلما احتضنك, ازداد الصقيع في داخلك. لأنها في كل ما تعطيك تعيدك إلى حرمانك الأول. ولذا تذهب نحو الغربة لتكتشف شيئاً... فتنكشف باغترابك.
- وبماذا انكشفت؟
- انكشفت بعاهتي. لا بهذه التي تراها, بل بما يوجد في أطرافها ولا تراه.
صمت فجأة عن الحديث, كما لو أنه استطرد صمتاً, ليواصل الحديث إلى نفسه عن أشياء لا تريد البوح بها.
لم أقاطع صمته بكلمة. رأيته يتأمل ذراعي اليسرى, كأنه استشعر عاهتي غير الظاهرة. أكان يملك حدس المعوقين.. أم كان يعرف بعاهتي؟
أردف مواصلاً كلامه:
- أنت لن تفهم هذا. هذا أمر لا يفهمه إلا من فقد أحد أطرافه. وحده يعاني من "ظاهرة الأطراف الخفية" إحساس ينتابه بأن العضو المبتور ما زال موجوداً. بل هو يمتد في بعض الأوقات إلى كامل الجسد. إنه يؤلمه.. ويشعر بحاجة إلى حكه.. أو تقليم أظافر يد لا توجد!
كذلك الأشياء التي فقدناها. والأوطان التي غادرناها والأشخاص الذين اقتلعوا منا. غيابهم لا يعني اختفاءهم. إنهم يتحركون في أعصاب نهايات أطرافنا المبتورة. يعيشون فينا, كما يعيش وطن.. كما تعيش امرأة.. كما يعيش صديق رحل.. ولا أحد غيرنا يراهم. وفي الغربة يسكنوننا ولا يساكنوننا, فيزداد صقيع أطرافنا, وننفضح بهم برداً!
سرت في جسدي قشعريرة كلمات قالها بهدوء كمن يتسلى بإطلاق النار على نفسه.. فيصيبك.
كان يختصر لي حياته من خلال السيرة الذاتية ليد أصبحت ليتمها " ذاكرة جسد". إنه يتم الأعضاء. كيف أعتقد أنني لا أفهم هذا؟
شعرت برغبة في البكاء. أو في تقبيل ذلك الطرف المعطوب من ذراعه. هناك حيث تبدأ خساراتنا المشتركة.
يا إلهي.. إنه خالد!

وقعت في حب ذلك الرجل, في حب لغته, في حب استعلائه على الألم وانتقائه معزوفة وجعه, في حب وسامة تبتكر جمالها كل لحظة بدون جهد, لأنها تشع من داخله. وأدركت أن تكون حياة قد أحبته إلى ذلك الحد. لقد خلق ليكون كائناً روائياً.
كان دائم التنبه إلى جرس الكلمات, وإلى ما يضيفه الصمت لجملة. تطرح عليه سؤالاً, فيأخذه منك ويصوغه في سؤال آخر, يبدأ غالباً بقوله:
- تقصد..
وفي صيغته التساؤلية تلك يكمن جوابه. هو يصححك, لكن بقلم الرصاص دائماً, بصوت أقل نبرة من صوتك, لا قلم أحمر في حوزته. هو ليس معلماً, هو فقط رجل يسخر كبورخيس, يملك تلك "الحقيقة الهزلية" التي تجعل من مجالسته متعة لم تعرفها من قبل.
قال وهو يتصفح مقالاتي:
- تدري؟ أحسد كل من يكتب. " الكتابة هي التجذيف بيد واحدة" وبرغم هذا هي ليست في متناولي. لقد فقدت الرغبة في الإبحار, ربما لأنك كي تبحر لا بد أن يكون لك مرفأ تبحر نحوه, ولا وجهة لي. حتى الرسم توقفت عن ممارسته منذ سنتين.
أمدني اعترافه هذا بموجز عن نشرته العاطفية, ذلك أنني تذكرت قول بيكاسو " أن تعود إلى الرسم أي أن تعود إلى الحب" فقد ارتبطت كل مرحلة فنية عنده, بدخول امرأة جديدة في حياته. وربما كانت كل مرحلة فنية عنده, بدخول امرأة جديدة في حياته. وربما كانت الكتابة عكس ذلك, فقد كانت حياة كلما سألتها خلال السنتين اللتين قضيناهما معاً لماذا لا تكتب؟ أجابت " الكتابة إعمال قطيعة مع الحب وعلاج كيماوي للشفاء منه.. سأكتب عندما نفترق".
قلت:
- مؤسف حقاً.. ألا تكون قد رسمت كل هذه الفترة.
أجاب:
- الرسم كما الكتابة, وسيلة الضعفاء أمام الحياة لدفع الأذى المقبل. وأنا ما عدت أحتاجها لأنني استقويت بخساراتي. الأقوى هو الذي لا يملك شيئا ليخسره. لا تنغش بهيئتي. أنا رجل سعيد. لم يحدث أن كنت على هذا القدر من الخفة والاستخفاف بما كان مهماً قبل اليوم.
عليك في مساء الحياة أن تخلع هم العمر كما تخلع بدلة نهارك أو تخلع ذراعك أو أعضاءك الإصطناعية, أن تعلق خوفك على المشجب, وأن تقلع عن الأحلام. كل الذين أحببتهم ماتوا بقصاص أحلامهم!
أدركت فجأة سر جاذبيته. كانت تكمن في كونه أصبح حراً. عندما ما عاد لديه ما يخسره أو يخاف عليه.
وهو يدرك جماله كلما فاجأ نفسه يتصرف محتكماً لمزاجه, لا لحكم الآخرين, كما عاش من قبل. ولا تستطيع إلا أن تحسده, لأنه خفيف ومفلس. خفته اكتسبها مما أثق به الناس أنفسهم من نفاق. وبإمكانه أن يقول لكل من يصادفه من معارف ما لم يجرؤ على قوله من قبل.
كرأيه في الرسام غير الموهوب الذي كان ينافقه مادحاً أعماله, والجار الذي كان يجامله اللحية عن خوف, والصديق الذي كان يسكت عن اختلاساته عن حياء, والعدو المنافق الذي كان يدعي أمامه الغباء.
سألته:
- ألا تخشى ألا يبقى لك صديق بعد هذا؟
ضحك:
- ما كان لي صديق لأخسره. أصدقائي سقطوا من القطار. عندما تغادر وطنك, تولي ظهرك لشجرة كانت صديقة, ولصديق كان عدواً. النجاح كما الفشل, اختبار جيد لمن حولك, للذي سيتقرب منك ليسرق ضوءك, والذي سيعاديك لأن ضوءك كشف عيوبه, والذي حين فشل في أن ينجح, نذر حياته لإثبات عدم شرعية نجاحك.
الناس تحسدك دائماً على شيء لا يستحق الحسد, لأن متاعهم هو سقط متاعك. حتى على الغربة يحسدونك, كأنما التشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقداً وحقداً, وأنا رجل يحب أن يدفع ليخسر صديقاً. يعنيني كثيراً أن أختبر الناس وأعرف كم أساوي في بورصة نخاستهم العاطفية. البعض تبدو لك صداقته ثمينة وهو جاهز ليتخلى عنك مقابل 500 فرنك يكسبها من مقال يشتمك فيه, وآخر يستدين منك مبلغاً لا يحتاجه وإنما يغتبط لحرمانك منه, وآخر أصبح عدوك لفرط ما أحسنت إليه " ثمة خدمات كبيرة إلى الحد الذي لا يمكن الرد عليها بغير نكران الجميل". ولذا لا بد أن تعذر من تنكر لك, ماذا تستطيع ضد النفس البشرية؟
- وكيف تعيش بدون أصدقاء؟
- لا حاجة لي إليهم.. أصبح همي العثور على أعداء كبار أكبر بهم. تلك الضفادع الصغيرة التي تنقنق تحت نافذتك وتستدرجك إلى منازلتها في مستنقع, أصغر من أن تكون صالحة للعداوة. لكنها تشوش عليك وتمنعك من العمل.. وتعكر عليك حياتك. إنه زمن حقير, حتى قامات الأعداء تقزمت, وهذا في حد ذاته مأساة بالنسبة لرجل مثلي حارب لثلاث سنوات جيوش فرنسا في الجبال.. كيف تريدني أن أنازل اليوم ضآلة يترفع سيفك عن منازلتها؟
- أنت إذن تعيش وحيداً؟
رد مبتسماً:
- أبداً.. أنا موجود دائماً لكل من يحتاجني, إني صديق الجميع ولكن لا صديق لي. آخر صديق فقدته كان شاعراً فلسطينياً توفي منذ سنوات في بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي. لم أجد أحداً بعده ليشغل تلك المساحة الجميلة التي كان يملأها داخلي. معه مات شيء مني. ما وجدت من يتطابق مع مزاجي ووجعي.
سكت قليلاً ثم أضاف:
- تدري؟ هذه أول مرة أتحدث فيها هكذا لأحد. لكأنك تذكرني به. لقد كان في عمرك تقريباً ووسيم هكذا مثلك, وكان شاعراً غير معروف ولكنه مذهل في انتقائه الكلمات. عندما أغادر المستشفى, سأطلعك على بعض قصائده.. ما زالت في حوزتي.
قال فجأة كمن يعتذر:
- قد أكون تحدثت كثيراً.. عادة أنا ضنين في الكلام, فالرسامون حسب أحدهم " أبناء الصمت".
قلت وأنا أمازحه:
- لا تهتم.. فالمصورون أبناء الصبر..!
قال وقد أضاءت وجهه ابتسامة:
- جميل هذا.. يا إلهي.. أنت تتكلم مثله!
كدت أقول له " طبعاً.. لأن رجال تلك المرأة جميعهم يتشابهون" لكنني لم أقل شيئاً. وقفت لأودعه. ضمني بحرارة إليه, وسألني:
- متى ستنشر هذه المقابلة؟
أجبته بمحبة:
- لم تنته بعد لتنشر.. لقاءاتنا ستتكرر إن شئت, فأنا أريد عملاً عميقاً يحيط بكل شخصيتك.
قال مازحاً:
- لا تقل لي إنك ستعد كتاباً عني.. ما التقيت بكاتب إلا وأغريته بأن يلملم أشلاء ذاكرتي في كتاب!
استنتجت أنه يعنيها. قلت:
- لا , أنا لست كاتباً. الكتابة تكفين الوقت بالورق الأبيض.. أنا مصور, مهنتي الاحتفاظ بجثة الوقت, تثبيت اللحظة.. كما تثبت فراشة على لوحة.
قال وهو يرافقني نحو الباب:
- في الحالتين.. أنت لا تكفن سوى نفسك بذا أو ذاك.
ثم واصل كمن تذكر شيئاً:
- لا تنس أن تأتيني في المرة المقبلة بالصورة التي حصلت بها على جائزة. لقد أخبرتني فرانسواز أنك مصور كبير.
كأنني بدأت أشبهه, لم أعلق على صفة "كبير" سوى بابتسامة نصفها تهكم.
تركته للبياض. وغادرت المستشفى مليئاً بذلك الكم المذهل من الألوان.

عندما عادت فرانسواز إلى البيت, وجدتني أعيد الاستماع إلى تسجيل حوارنا.
سألتني إن كنت أفرغ الشريط قصد كتابة المقال. أجبتها أنني أفرغه لأمتلأ به. فلم يكن في الواقع في نيتي أن أكتب أي مقال. ولا توقعت يومها أنني , كمن سبقني إلى ذلك الرجل, سأرتق أسمال ثوب ذاكرته في كتاب!
***
 Rolling Eyes Rolling Eyes
المرفقات
عابر سبيل -1.zip
لا تتوفر على صلاحيات كافية لتحميل هذه المرفقات.
(47 Ko) عدد مرات التنزيل 0
عابر سبيل -2.zip
لا تتوفر على صلاحيات كافية لتحميل هذه المرفقات.
(88 Ko) عدد مرات التنزيل 0


_________________


    انتهت كل الجمل مابقى غير الامل.........
                   الجفا مايحتمل كل شي قسمة ونصيب.......

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 9:16 am